ابن أبي العز الحنفي
361
شرح العقيدة الطحاوية
الناس بهذه الآية لكفتهم » « 460 » . فالمتقون يجعل اللّه لهم مخرجا مما ضاق على الناس ، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ، فيدفع اللّه عنهم المضار ، ويجلب لهم المنافع ، ويعطيهم اللّه أشياء يطول شرحها ، من المكاشفات والتأثيرات . قوله : ( وأكرمهم عند اللّه أطوعهم وأتبعهم للقرآن ) . ش : أراد أكرم المؤمنين هو الأطوع للّه والأتبع للقرآن ، وهو الأتقى ، والأتقى هو الأكرم ، قال تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ الحجرات : 13 . وفي « السنن » عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأبيض على أسود ، ولا لأسود على أبيض - : إلا بالتقوى ، الناس من آدم ، وآدم من تراب » « 461 » . وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر ، وترجيح أحدهما على الآخر ، وأن التحقيق أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى ، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق ، فالمسألة فاسدة في نفسها . فإن التفضيل عند اللّه بالتقوى وحقائق الإيمان ، لا بفقر ولا غنى . ولهذا - واللّه أعلم - قال عمر رضي اللّه عنه : الغنى والفقر مطيتان ، لا أبالي أيهما ركبت . والفقر والغنى ابتلاء من اللّه تعالى لعبده ، كما قال تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ : رَبِّي أَكْرَمَنِ الفجر : 15 ، الآية . فإن استويا ، الفقير الصابر والغنيّ الشاكر - في التقوى ، استويا في الدرجة ، وإن فضل أحدهما فيها فهو الأفضل عند اللّه ، فإن الفقر والغنى لا يوزنان ، وإنما يوزن الصبر والشكر . ومنهم من أحال المسألة من وجه آخر : وهو أن الإيمان [ نصف ] صبر ونصف شكر ، فكل منهما لا بد له من صبر وشكر . وإنما أخذ الناس فرعا من الصبر وفرعا من الشكر ، وأخذوا في الترجيح ، فجرّدوا غنيّا
--> ( 460 ) ضعيف ، رواه أحمد والحاكم بسند فيه انقطاع . ( 461 ) صحيح ، لكن عزوه للسنن وهم ، فإنه لم يروه أحد منهم ، وانما هو في مسند الإمام أحمد . وقد كنت توقفت فيه قبل سنين ، ثم يسر اللّه تعالى لي جمع كثير من طرقه ، وحققت الكلام عليها ، فتبين لي انه صحيح بمجموعها ، وأودعت تفصيل ذلك في الموضع المشار إليه ، وعليه استجزت ايراده في كتابي الكبير « صحيح الجامع الصغير وزياداته » 1780 .